المقريزي
83
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الأرض ، وكثرة العفن ، ورداءة الماء ، والهواء . إلا أن هذه الأشياء لا تحدث في أبدان المصريين استحالة محسوسة إذا جرت على عادتها من أجل إلف المصريين لهذه الحال ، ومشاكلة أبدانهم لها ، فإن كل ما يتولد بأرض مصر من الحيوان والنبات مشابه لما عليه مصر في سخافة الأبدان وضعف القوى ، وكثرة التغير وسرعة الوقوع في الأمراض ، وقصر المدّة كالحنطة بمصر فإنها وشيكة الزوال سريع إليها العفن في المدّة اليسيرة ولا مطعن أن أبدان الناس وغيرهم تخالف ما عليه الحنطة من سرعة الاستحالة ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وأبدانهم مبنية من هذه الأشياء فحال ما يتولد بأرض مصر من النبات ، والحيوان في السخافة ، وكثرة الفضول ، والعفن وسرعة الوقوع في الأمراض كحال سخافة أرضها وعفنها ، وفضولها وسرعة استحالتها لأنّ النسبة واحدة . ولذلك أمكن حياة الحيوان فيها ونبات النبات بها فإن هذه الأشياء من حيث ناسبتها ولم تبعد من مشاكلتها أمكن حياتها . فأما الأشياء الغريبة فإنها إذا دخلت إلى مصر تغيرت في أوّل لقائها لهذا الهواء حتى إذا استقرّت وألّفت الهواء ، واستمرّت عليه صحت مشاكلة لأرض مصر . قال : وأما جنس ما يؤكل ، ويشرب بأرض مصر . فإنّ الغلات سريعة التغير سخيفة متخلخلة تفسد في الزمان اليسير كالحنطة والشعير والعدس والحمص والباقلاء والجلبان . فإنّ هذه تسوّس في المدّة القليلة ليس لشيء من الأغذية التي تعمل منها لذاذة ما لنظيره في البلدان الأخر . وذلك أنّ الخبز المعمول من الحنطة بمصر متى لبث يوما واحدا بليلته لا يؤكل وإن أكل لم يوجد له لذاذة ولا تماسك لبعضه ببعض ولا يوجد فيه علوكة ، ولكنه يتكرّج في الزمان اليسير وكذلك الدقيق ، وهذا خلاف أخبار البلدان الأخر ، وكذلك الحال في جميع غلات مصر وفواكهها ، وما يعمل فيها فإنها وشيكة الزوال سريعة الاستحالة والتغير . فأما ما يحمل من هذه إلى مصر فظاهر أنّ مزاجها يتبدّل باختلاف الهواء عليها ويستحيل عما كانت عليه إلى مشاكلة أرض مصر إلا أنّ ما كان حديثا قريب العهد بالسفر ، فقد بقيت فيه من جودته بقايا صالحة فهذا حال الغلات . وأما الحيوان الذي يأكله الناس ، فالبلدي منه مزاجه مشاكل لمزاج الناس بهذه الأراضي في السخافة وسرعة الاستحالة فهو على هذا ملائم لطبائعهم ، والمجلوب كالكباش البرقية فالسفر يحدث في أبدانها قحلا ويبسا وأخلاطا لا تشاكل أخلاط المصريين . ولها إذا دخلت مصر مرض أكثرها . فإذا استقرّت زمانا صالحا تبدّل مزاجها ووافق مزاج المصريين . وأهل مصر يشرب الجمهور منهم من ماء النيل وقد قلنا في ماء النيل ما فيه كفاية وبعضهم يشرب مياه الأبار ، وهي قريبة من مشاكلتهم والمياه المخزونة فقلّ من يشربها بأرض مصر . وأجود الأشربة عندهم الشمسيّ : لأنّ العسل الذي فيه يحفظ قوّته ولا يدعه يتغير بسرعة والزمان